الغزالي
30
إحياء علوم الدين
من بعض الجهات الخمس على وجه حلال ، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين ، وتنفيذ الوصايا ، وتعديل القسمة بين الورثة ، وإخراج الزكاة ، والحج ، والكفارة ، إن كان واجبا . وذلك مذكور في كتاب الوصايا والفرائض فهذه مجامع مداخل الحلال والحرام ، أومأنا إلى جملتها ، ليعلم المريد أنه إن كانت طعمته متفرقة لا من جهة معينة فلا يستغنى عن علم هذه الأمور فكل ما يأكله من جهة من هذه الجهات ينبغي أن يستفتى فيه أهل العلم ، ولا يقدم عليه بالجهل . فإنه كما يقال للعالم لم خالفت علمك ، يقال للجاهل لم لازمت جهلك ولم تتعلم ، بعد أن قيل لك طلب العلم فريضة على كل مسلم درجات الحلال والحرام اعلم أن الحرام كله خبيث ، لكن بعضه أخبث من بعض ، والحلال كله طيب ، ولكن بعضه أطيب من بعض ، وأصفى من بعض ، وكما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة ولكن يقول بعضها حار في الدرجة الأولى كالسكر ، وبعضها حار في الثانية كالفانيذ ، وبعضها حار في الثالثة كالدبس ، وبعضها حار في الرابعة كالعسل ، كذلك الحرام بعضه خبيث في الدرجة الأولى ، وبعضه في الثانية أو الثالثة أو الرابعة . وكذا الحلال تتفاوت درجات صفاته وطيبه ، فلنقتد بأهل الطب في الاصطلاح على أربع درجات تقريبا ، وإن كان التحقيق لا يوجب هذا الحصر ، إذ يتطرق إلى كل درجة من الدرجات أيضا تفاوت لا ينحصر ، فإن من السكر ما هو أشد حرارة من سكر آخر ، وكذا غيره فلذلك نقول الورع عن الحرام على أربع درجات : ورع العدول . وهو الذي يجب الفسق باقتحامه ونسقط العدالة به ، ويثبت اسم العصيان والتعرض للنار بسببه . وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء الثانية : ورع الصالحين ، وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ولكن المفتي يرخص في التناول بناء على الظاهر فهو من مواقع الشبهة على الجملة ، فلنسم التحرج عن ذلك ورع الصالحين ، وهو في الدرجة الثانية الثالثة : ما لا تحرمه الفتوى ولا شبهة في حله ، ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم